العودة إلى تاريخ مشغرة
1916٤ تموز ١٩١٦

ولادة زكي ناصيف في مشغرة

وُلد الفنان والموسيقار اللبناني زكي شاكر ناصيف في مشغرة في 4 تموز 1916. شكّلت مشغرة بطبيعتها وأغانيها الشعبية وذاكرتها الريفية منبعاً أساسياً في تكوينه الموسيقي، وحضرت لاحقاً في عدد كبير من أعماله وألحانه.

وُلد زكي شاكر ناصيف في مشغرة في 4 تموز 1916، خلال المجاعة التي عصفت بمتصرفية جبل لبنان في الحرب العالمية الأولى. وكان الأصغر بين أربعة بنين وثلاث بنات. وفي عام 1918 أصيب بالحصبة، وأدى خطأ في العلاج الطبي إلى قصور في قدمه اليسرى.

مع بداية الانتداب الفرنسي على سوريا، انتقل مع عائلته وهو في الرابعة من عمره إلى محلة الطيونة في بيروت، التي أُعلنت عاصمة دولة لبنان الكبير عام 1920. ومع ذلك بقيت مشغرة حاضرة في طفولته وذاكرته، إذ كان يتنقل بينها صيفاً وبين بيروت شتاءً.

كان الفونوغراف الذي جلبه والده إلى منزل العائلة، ويُرجح أنه كان من أوائل الأجهزة من نوعه في المنطقة، نافذته الأولى إلى عدد من المدارس الغنائية. استمع إلى أعمال الشيخ سلامة حجازي والشيخ يوسف المنيلاوي وتقاسيم الناي التركي، وتأثر بصورة خاصة بسلامة حجازي. وفي السادسة حفظ أول أغنية له، وهي قصيدة من مسرحية «روميو وجولييت». كما تأثر بالأغاني الشعبية في لبنان وسوريا وبالإنشاد الديني الإسلامي.

درس في مدرسة الحي التابعة لكنيسة مار عبدا في عين الرمانة ـ الطيونة، وتعرّف هناك إلى اللغة السريانية من خلال الترتيل في القداس الماروني. وفي الثالثة عشرة تعرض لكسر جديد في قدمه اليسرى، فلم يتمكن من تقديم الامتحانات الابتدائية. ثم انتقل إلى مدرسة المخلص التابعة للروم الملكيين الكاثوليك، ودرس فيها خمس سنوات ولحّن نشيدها وهو ما يزال تلميذاً، قبل أن يتابع المرحلة الثانوية في «الليسيه اللاييك» في زقاق البلاط.

بدأ تعلّم العزف على العود بعدما قدّمه له جاره جورج مزهر هدية، وكان قبل ذلك يعزف خفية على مجوز أخيه. ترك الدراسة لأسباب صحية، ثم شارك في مجموعة فنية من الموسيقيين الشباب أسسها نجيب الشلفون في بيروت. ضمت المجموعة ألكسي اللادقاني وخليل مكنية، وكان زكي يغني ويعزف على العود. وقدمت أول حفلاتها في بكفيا في صيف 1933، ثم في نبع الحصى في حمانا.

اتسعت جولات المجموعة إلى إهدن وبشري وحصرون وحدث الجبة، وانضم إليها في مراحل مختلفة سامي الصيداوي ومحيي الدين سلام وإيليا بيضا وآخرون. ومن خلال هذه التجارب بدأ ناصيف يتعرف عملياً إلى العمل الفني الجماعي وإلى جمهور المصايف اللبنانية.

في الوقت نفسه، عمل بدوام جزئي مع والده وإخوته في متجر العائلة لبيع الجلود الخام والمدبوغة في شارع الأوروغواي بوسط بيروت. وظل حتى عام 1953 موزعاً بين التجارة العائلية والنشاط الموسيقي، بما في ذلك دراسته ونشاطه في معهد الموسيقى في الجامعة الأميركية في بيروت. ومن هذا التكوين المتعدد، بين مشغرة وبيروت، وبين الفولكلور والتعليم والممارسة، بدأت تتشكل شخصيته الموسيقية.