العودة إلى تاريخ مشغرة
2005

حيّ الدباغات في مشغرة: دراسة لإحياء التراث الصناعي

دراسة أكاديمية أُعدّت في الجامعة اللبنانية سنة 2004–2005 تناولت تاريخ صناعة الدباغة في مشغرة، أسباب تراجعها، واقتراحاً معمارياً واقتصادياً لإعادة تأهيل حيّ الدباغات.

يقدّم هذا المقال خلاصة موثقة لدراسة أكاديمية أعدّتها غالية محمد نور الدين لنيل دبلوم الدراسات العليا في الهندسة المعمارية من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية خلال السنة الجامعية 2004–2005. وقد اتخذت الدراسة من حيّ الدباغات في مشغرة محوراً لقراءة تاريخ الصناعة المحلية واقتراح مسار لإحيائها ضمن مشروع يجمع بين الحفاظ على الذاكرة الصناعية والتطوير الحديث.

تربط الدراسة نشوء الدباغة في مشغرة بوفرة المياه وتركيبتها المعدنية، إضافة إلى توفر الجلود والخبرات الحرفية. ووفق التقرير، نقل فارس حبوش مدبغته من صيدا إلى مشغرة سنة 1880، ثم توسعت الصناعة خلال العقود التالية، ولا سيما في فترة الحرب العالمية الأولى. وفي أواخر عشرينيات القرن العشرين دخلت الوسائل الآلية إلى بعض المدابغ وبدأ تصدير الجلود المشغرية إلى أسواق خارج لبنان.

يرصد التقرير بعد ذلك سلسلة من التحولات التي أضعفت هذا القطاع. فقد تقلصت الأسواق التقليدية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وتراجعت حركة التصدير، وازدادت المنافسة الخارجية. وتشير الدراسة إلى أن عدد المدابغ في مشغرة بلغ في مرحلة سابقة نحو 43 مدبغة، قبل أن يتراجع تدريجياً حتى إقفال آخر المدابغ المذكورة في التقرير سنة 2000. وبذلك فقدت البلدة نشاطاً كان يؤمّن العمل والدخل لعدد كبير من العائلات.

لم يكن أثر التراجع اقتصادياً فقط. فالدراسة تربطه أيضاً بالهجرة والبطالة وخسارة جزء من الخبرة الحرفية المتراكمة في البلدة. ومن هنا صيغ المشروع المقترح بوصفه محاولة لاستعادة قيمة الدباغة كعنصر من عناصر الهوية المحلية، مع خلق فرص عمل جديدة والحد من خسارة المهارات التقليدية.

اختير للمشروع موقع في الحارة التحتا، في المنطقة المرتبطة تاريخياً بالمدابغ والقريبة من نهر الشتاء. ويقترح التصور الاستفادة من المباني القديمة بوصفها شاهداً على مرحلة صناعية مهمة، بالتوازي مع إنشاء منشآت حديثة تستجيب لمتطلبات الإنتاج المعاصر. ويقسم المشروع إلى قسمين مترابطين: قسم يحافظ على الدباغة النباتية التقليدية والحرف الجلدية، وقسم يعتمد تقنيات وآلات حديثة لرفع جودة الإنتاج وكميته.

تولي الدراسة أهمية خاصة للجانب البيئي. فقد شكّل تصريف مخلفات الدباغة في المجاري المائية أحد أبرز المشكلات المرتبطة بالصناعة القديمة. لذلك يضم المقترح معالجة للمياه والسوائل الناتجة عن عمليات التصنيع، بما يحد من تلويث نهر الشتاء والمياه المتصلة بحوض الليطاني. وبهذا يصبح تحديث الصناعة مرتبطاً أيضاً بشروط بيئية وتقنية لم تكن متوافرة في مراحلها السابقة.

بحسب التصور الوارد في التقرير، يمكن للمشروع الحديث أن يوفّر فرص عمل لنحو 200 عامل، فيما يحافظ القسم التراثي على التقنيات التقليدية ويفتح المجال أمام محترفات للصناعات الجلدية الحرفية. ولا تقتصر الفكرة على إعادة تشغيل صناعة قديمة، بل تسعى إلى تحويل حيّ الدباغات إلى مساحة تجمع الإنتاج والذاكرة المهنية والتراث العمراني ضمن رؤية تنموية واحدة.

تكمن أهمية هذه الدراسة اليوم في أنها توثّق جانباً أساسياً من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لمشغرة في الوقت نفسه الذي تطرح فيه سؤالاً ما زال مطروحاً: كيف يمكن الحفاظ على الذاكرة الصناعية للبلدة من دون تجميدها في الماضي؟ ويقدّم مشروع تأهيل حيّ الدباغات نموذجاً مبكراً لمحاولة الجمع بين الحفظ التراثي، التنمية المحلية، الصناعة، وحماية البيئة.

مشاركة هذه الصفحة
حيّ الدباغات في مشغرة: دراسة لإحياء التراث الصناعي | مشغرة